الخطيب البغدادي
113
تاريخ بغداد
إلى بغداد مع جماعة من الفقراء الصوفية فقصد الجنيد بن محمد وسأله عن مسألة فلم يجبه ، ونسبه إلى أنه مدع فيما يسأله ، فاستوحش وأخذ والدتي ورجع إلى تستر ، وأقام نحوا من سنة ، ووقع له عند الناس قبول عظيم حتى حسده جميع من في وقته ، ولم يزل عمر بن عثمان يكتب الكتب في بابه إلى خوزستان ، ويتكلم فيه بالعظائم حتى جرد ورمى بثياب الصوفي ، ولبس قباء وأخذ في صحبة أبناء الدنيا . ثم خرج وغاب عنا خمس سنين بلغ إلى خراسان ، وما وراء النهر ، ودخل إلى سجستان ، وكرمان ، ثم رجع إلى فارس . فأخذ يتكلم على الناس ، ويتخذ المجلس ، ويدعو الخلق إلى الله . وكان يعرف بفارس بأبي عبد الله الزاهد ، وصنف لهم تصانيف ، ثم صعد من فارس إلى الأهواز وأنفذ من حملني إلى عنده ، وتكلم على الناس ، وقبله الخاص والعام ، وكان يتكلم على أسرار الناس وما في قلوبهم ، ويخبر عنها فسمي بذلك حلاج الأسرار ، فصار الحلاج لقبه ، ثم خرج إلى البصرة وأقام مدة يسيرة وخلفني بالأهواز عند أصحابه ، وخرج ثانيا إلى مكة ، ولبس المرقعة والفوطة ، وخرج معه في تلك السفرة خلق كثير ، وحسده أبو يعقوب النهرجوري فتكلم فيه بما تكلم ، فرجع إلى البصرة وأقام شهرا واحدا ، وجاء إلى الأهواز وحمل والدتي وحمل جماعة من كبار الأهواز إلى بغداد ، وأقام ببغداد سنة واحدة ، ثم قال لبعض أصحابه : احفظ ولدي حمد إلى أن أعود أنا ، فاني قد وقع لي أن أدخل إلى بلاد الشرك وأدعو الخلق إلى الله عز وجل وخرج . فسمعت بخبره أنه قصد إلى الهند ثم قصد خراسان ثانيا ودخل ما وراء النهر ، وتركستان ، وإلى ماصين ، ودعا الخلق إلى الله تعالى ، وصنف لهم كتبا لم تقع إلى ، إلا أنه لما رجع كانوا يكاتبونه من الهند ، بالمغيث ، ومن بلاد ماصين وتركستان ، بالمقيت ، ومن خراسان ، بالمميز ، ومن فارس ، بأبي عبد الله الزاهد ، ومن خوزستان ، بالشيخ حلاج الأسرار ، وكان ببغداد قوم يسمونه المصطلم ، وبالبصرة قوم يسمونه ، المحير ، ثم كثرت الأقاويل عليه بعد رجوعه من هذه السفرة ، فقام وحج ثالثا وجاور سنتين ثم رجع وتغير عما كان عليه في الأول ، واقتنى العقار ببغداد ، وبنى دارا ودعا الناس إلى معنى لم أقف إلا على شطر منه حتى خرج عليه محمد بن داود ، وجماعة من أهل العلم ، وقبحوا صورته ، ووقع بين علي بن عيسى وبينه لأجل نصر القشوري ، ووقع بينه وبين الشبلي ، وغيره من مشايخ الصوفية ، فكان يقول قوم : إنه ساحر . وقوم يقولون : مجنون ، وقوم يقولون : له الكرامات وإجابة السؤال ، واختلفت الألسن في أمره حتى أخذه السلطان وحبسه .